عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
195
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
يطوف المساجد ، فرأى غلاما يحسن صلاته ؛ فلما فرغ قال : يا غلام ألك زوجة ؟ قال لا ، فقال فهل لك في زوجة تقرأ القرآن وتصلى وتصوم وهي جميلة نظيفة عفيفة ؟ فقال ومن يزوجني ؟ فقال شاه أنا أزوجك ، فخذ بدرهم خبزا وبدرهم أدما وبدرهم طيبا والأمر مفروغ منه ، فعقد له عليها ، فلما دخلت بيت الغلام رأت رغيفا يابسا على رأس جرة ، فلما رأت ذلك قالت ما هذا ؟ فقال لها رغيف بقي من أمس فتركته لأفطر عليه ؛ فلما سمعت ذلك ولت راجعة ، فقال الشاب قد عرفت أن بنت شاه الكرماني لا تقنع لفقرى ولا ترضى بي لها بعلا ، فقالت : إن بنت شاه ليس خروجها من منزلك لفقرك ، بل لضعف يقينك ، ولست أعجب منك ، إنما أعجب من أبى كيف قال زوجتك من شاب عفيف ، كيف وصف بالعفة من لا يعتمد على اللّه تعالى إلا مع ادخار رغيف ، فقال الشاب أنا عن هذا معتذر ، فقالت أما العذر فأنت أعرف بشأنك ، وأما أنا فلا أقيم في بيت فيه مطعوم ، فإما أن أخرج أنا وإما أن تخرج الرغيف من البيت ، فتصدق الشاب بالرغيف رضي اللّه تعالى عنهما * قلت : هذا التزويج المذكور صدر من الشيخ الجليل العارف باللّه شاه بن شجاع الكرماني المذكور بعد ما زهد في الملك ، ودخل في طريق القوم ، وقد تقدمت حكايته قبل في ذلك ، وقد حكيت هذه الحكاية في كتاب الإرشاد على غير هذا الوجه ، ولكن اختلاف الحكايتين متقارب * ويليق بهذه المرأة المذكورة قول القائل : وكم من أكلة منعت أخاها * بأكلة ساعة أكلات دهر وكم من طالب يسعى لشئ * وفيه هلاكه لو كان يدرى ( الحكاية الثالثة والتسعون بعد المئة عن بعضهم ) حكى أن بعض العباد المرابطين بعسقلان قام ذات ليلة يريد التهجد على السطح ، فإذا هو بهاتف يهتف من البحر يقول : يا معشر العباد ، قسمت العبادة ثلاثة أجزاء ، أولها قيام الليل ، وثانيها صيام النهار ، وثالثها الدعاء والتسبيح والاستغفار ، وهذا خير القسمة ، فخذوا منه بالحظ الأوفر ، فسقط العابد على وجهه لما دخله من الصوت رضي اللّه عنه * وحكى أن إبليس نعوذ باللّه منه تمثل ليحيى بن زكريا عليه السّلام فلوى عنه وجهه ، فأوحى اللّه تعالى إلى يحيى عليه السّلام أن سله ، فإنه يصدقك ، فسأله عن مسائل منها أن قال له : هل قدرت علىّ قط ؟ قال نعم ليلة واحدة